محمد عبد الله دراز

167

دستور الأخلاق في القرآن

لقد ساقوا مثلا على ذلك حال بعض الكفار الذين أعلن القرآن أنّهم سيموتون في الكفر ، من مثل قوله تعالى : سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ « 1 » ، وقوله : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ « 2 » . ولسوف يكون ذلك مهما بذل في سبيل هدايتهم من جهد : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ « 3 » . فهؤلاء النّاس لم يكونوا أقل تكليفا بالاعتقاد في الحقائق المنزلة ، بما في ذلك كفرهم الدّائم ، وهم على ذلك يفعلون المستحيل : أوّلا : لأنّ أمرا مما علم اللّه عدم وقوعه ، لا يمكن أن يوجد . وثانيا : لأنّه ربما كان من المتناقض أن يؤمنوا بهذا الوحي الخاص ، الّذي يقرر أنّهم لن يؤمنوا أبدا ، وبذلك يكونون في حالتي إيمان ، وعدم إيمان . ويقدم فخر الدّين الرّازي هذا الاستدلال المزدوج ، ويضاعف من حوله الأقوال ، كأنّما هو العقبة الكئود الّتي لن يستطيع العقليون أن يفلتوا منها أبدا « 4 » . بيد أنّه حتّى لو افترضنا أنّ المقدمات صادقة ، فلسنا نرى في هذا الاستدلال المزدوج سوى ضروب من القياس الكاذب . وأوّل الاستدلالات ، وهو ما يستمدونه من علم اللّه السّابق - يقوم على نوع من الخلط بين « الممكن » و « الواقع » ، بين « الجوهر » و « الوجود » ، فليس معنى كون الشّيء لا يوجد ، أو لن يوجد أبدا - أن يكون مستحيلا في ذاته . فالعلم لا

--> ( 1 ) المسد : 3 . ( 2 ) المدثر : 26 . ( 3 ) البقرة : 6 . ( 4 ) التّفسير الكبير ، للفخر الرّازي : 1 / 185 .